صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

مقدمة 63

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وإذا كان الأمر كذلك فإن لسائل أن يسأل : لماذا كثر الغريب في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ لقد كان « غريب الحديث » بمعنى : الألفاظ أو العبارات الغامضة الواردة في متون الأحاديث من أسبق علوم الحديث ظهورا ، وكان السابق إلى التأليف فيه هو الإمام : أبو عبيدة معمر بن المثنى ( م 216 ه ) ، ثم توالى التأليف فيه إلى يوم الناس هذا ، وهنا قد يتبادر سؤال إلى الذهن خلاصته : كيف يكثر الغريب في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ مع أن الغرابة عيب يخل بالفصاحة ومع ذلك فقد ثبت أن الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم هو أفصح العرب قاطبة . إن مناقشة تفصيلية لهذه القضية لا يتسع لها هذا المجال « 1 » وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن الغرابة أمر نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان ، كما يختلف باختلاف المتحدّث إليهم ، فما يكون غريبا عند قوم قد لا يكون غريبا عند آخرين ، وما يكون غريبا في عصر قد يكون هو - لا غيره - أفصح الفصيح في عصر آخر ، وإذا طبقنا هذه المعايير على الحديث النبوي الشريف - وقد طبقناها فعلا - على ما أورده أبو عبيد في كتابه « غريب الحديث » لكانت النتيجة « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يستعمل إلا الواضح المألوف في بيئته ، وإلا ما كان مفهوما لمن يتوجّه إليهم بالخطاب ، وأن هذا لا ينفي بالطبع أن بعض الألفاظ الحديثية قد قل استعمالها فيما بعد نتيجة لتطور اللغة ، كما اتضح أن بعض هذه الألفاظ كانت غامضة المعنى عند غير من يخاطب بها « 2 » ، وأن ذلك كان هو السبب في إطلاق وصف الغرابة عليها » « 3 » . لقد تكفل الإمام الخطابي - رحمه اللّه تعالى - ببيان السبب الذي من أجله كثر غريب حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : لقد بعث صلّى اللّه عليه وسلّم مبلغا ومعلما ، فهو لا يزال في كل مقام يقومه وموطن يشهده يأمر بمعروف وينهى عن منكر ، ويشرع في حادثة ، ويفتي في نازلة ، والأسماع إليه مصغية ، والقلوب لما يرد عليها من قوله واعية ، وقد تختلف عنها عباراته ، ويتكرر فيها بيانه ، ليكون أوقع للسامعين ، وأقرب إلى فهم من كان منهم أقل فقها وأقرب بالإسلام عهدا ، وأولو الحفظ والإتقان من فقهاء الصحابة يرعونها ( كلها ) سمعا ، ويستوفونها حفظا ، ويؤدونها على اختلاف جهاتها ، فيجتمع لذلك في القضية الواحدة عدة ألفاظ ، تحتها معنى واحد ، وذلك كقوله : « الولد للفراش ، وللعاهر الحجر » « 4 » ، وفي رواية أخرى : « وللعاهر الإثلب » « 5 » . قال الخطابي : وقد مر بمسامعي ولم يثبت عندي : « وللعاهر الكثكث » .

--> ( 1 ) لقد أفردنا هذه المسألة بالتأليف في كتابنا : الغرابة في الحديث النبوي ، دراسة لغوية تحليلية في ضوء ما أورده أبو عبيد في « غريب الحديث » ط . أولى القاهرة 1407 ه . ( 2 ) مثال ذلك أن يخاطب أحد المغاربة بعض أهله بلهجته المحلية ، ويكون أحد السعوديين بجانبه ، وفي هذه الحالة يكون كلام المغربي مفهوما لبني جلدته ، وغريبا بالنسبة للسعودي ، وإذا انتقلنا من الشاهد إلى الغائب اتضح أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخاطب أبناء القبائل بلهجتهم ، وحوله من الصحابة الكرام من لا يفهم هذه اللهجة ، وهنا يكون كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم مفهوما للمخاطبين غريبا بالنسبة للصحابي الذي لا يعرف تفاصيل هذه اللهجة . ( 3 ) الغرابة في الحديث النبوي للدكتور عبد الفتاح البركاوي ص 209 ( بتصرف ) . ( 4 ) أخرجه البخاري 4 / 4 ، ومسلم 2 / 1080 . ( 5 ) رواه أحمد 2 / 179 ، 207 من حديث ابن عمر .